تقديم الكاتب
محمد مستقيم*
سأتناول في هذه الورقة نقطتين : الأولى وهي أنه يحضر معنا اليوم الكاتب أو المؤلف بلحمه وعظمه، ضدا على المقولة البنيوية الشهيرة: موت المؤلف، التي شيعته إلى زاوية أخرى من المشهد حتى يتحرر القارئ كما يقول أصحاب هذه الفكرة ، من سلطة الفاعل الأول الرمزية ويمارس نشاطه الإبداعي الذي هو القراءة . كيف يموت المؤلف وهو في نفس قارئ لنصوص أخرى؟ بل كيف يموت القارئ الأول ليعيش القارئ الثاني؟
أعتقد أن حضور المؤلف يبقى أمرا ضروريا ورمزيا أيضا سواء بالجسد أو بدونه لأن المسألة تتعلق أساس في نظري بتفاوض حول المعنى. وأعني بالتفاوض مساءلة النص المقروء ليس من أجل فك رموزه للوصل إلى معانية الأصلية فليس هناك إلا معاني افتراضية يمتنع النص عن البوح بها وبقدر مايمتنع بقدر مايحفزنا على التفاوض وطرح المزيد من الأسئلة التي بلاشك ستساهم في إعادة بناءهذا المقروء إن لم نقل تساهم في إنتاجه بصورة مستمرة.
أشير هنا إلى الكتاب الأخير للناقد والمفكر البلغاري الفرنسي تودوروف الذي صدر تحت عنوان:" الأدب في خطر" داعيا إلى إنقاذ النص الأدبي من هيمنة النقد الشكلاني والرجوع إلى البعد الإنساني في العملية الإبداعية بدل الإغراق في الشكل. إن الخطر الذي يتهدد الأدب حسب تودوروف هو التعليم الشكلاني الذي يلقن التلاميذ النظريات التي تتحدث بدلا عن النص، والاستماع إلى الناقد بدل الإنصات إلى المؤلف. وهذا الكتاب هو بمثابة نقد ذاتي للكاتب نفسه ومن جايله من النقاد الذين أوصلوا الأدب إلى مأزق حقيقي. من هنا تأتي صرخته هاته لإعادة الاعتبار للإنساني ولما هو بسيط وهذا مايحتاج إليه النقد المعاصر قصد التواصل أكثر مع القارئ ومع المؤلف صاحب النص.
النقطة الثانية تتعلق بتقديم الكاتب، فعندما نريد تقديم مبدع غالبا ما يطرح هذا السؤال: من أين نبدأ؟ خصوصا إذا كنا قد تعودنا على قراءته باستمرار وكان بدوره يضيف اشياءا جديدة إلى مدونة الإبداع.
في هذا النطاق تستهويني الفكرة الفلسفية التي تقول بأن تاريخ الفكر الإنساني هوتاريخ واحد يشكل كلا أو نسقا متكاملا ومنسجما، ويمكن الانطلاق من أية لحظة من لحظات هذا الفكر لمعرفة الكل. بلغة أكثر شاعرية ، أينما وضعت يدك ثمة نقطة الضوء التي تقودك إلى المنبع الكبير.
رغم ماقد تسفر عنه هذه الفكرة من نتائج وعلى رأسها إمكانية السقوط في الانغلاق داخل النسق ، فنحن لانستحم في النهر مرتين –كما يقول احد الحكماء الإغريق- لأن مياها تجري باستمرار، ولكن مع ذلك فإن هذه الفكرة تبدو قابلة للانطلاق منها في مجال الإبداع ..
وهو مايمكن قوله بالضبط في إبداعات الدايم ربي التي تستمد مادتها الخام من منابع أصيلة قد تتعرف عليها من أية نقطة عبور مررت.
في نفس الاتجاه من عادتي أن أخشى عندما أقدم على قراءة مبدع من عيار أكاديمي، اخشي أن تؤثر رياح النظرية على مجرى النهر فتحوله إلى دوامات صغيرة قد تتشابه وقد تأخذ أشكالا رتيبة، لكن مع الدايم تحس دائما أنه يحول كميات التنظير إلى تنويعات أو إلى ذبذبات تزيد من جمالية المادة الإبداعية.
هناك نقطة أخرى لابد من إثارتها تتعقل بالقراءة أي قراءة مبدع نعرفه معرفة شخصية، لأنني إذا قمت بعملية حسابية بمقاييس الزمن أقول لكم بأن اللحظات التي قضيتها مع الدايم أكثر بكثير من اللحظات التي قضيتها معه كمبدع من خلال قراءته، رغم أنني قرأت كل كتاباته منها بعض التي لم تنشر، وهذا ربما قد يؤثر على الصورة التي يمكن أن تنتجها القراءة باعتبارها فعلا يعيد إنتاج المقروء في صور متعددة. فقد نسجت كقارئ عدة صور للدايم وتعدد الصور دليل على غنى الكاتب وغنى المنابع التي يمتح منها مادته الإبداعية ودليل على الإضافات النوعية التي مافتئ يضيء بها ساحة الإبداع المغربي المعاصر. طبعا المسالة كذلك تؤدي بي إلى الخشية مرة أخرى ، أي الخوف أن تتغلب الصور الواقعية الناتجة عن العلاقات الشخصية على تشكيل الصورة التي تنتجها القراءة،وهذا دليل آخر على قوة حضور المؤلف في عملية القراءة.
موضوع هذا اللقاء المفتوح هو : الكتابة والتجربة، وتحديدا الكتابة السردية والتجربة، فنحن في حضرة روائي له إضافات في مدونة السرد المغربي المعاصر، ثم إن الرواية أصبحت تحتل مكانة مهمة في الساحة الثقافية محليا وعالميا، فعالم الرواية هو عالم متسع وقابل للتشكيل والتجريب، هذا لايعني أن الأجناس الأخرى لاتتوفر على هذه الإمكانيات مثل الشعر والقصة والمسرح، لكن الرواية تكون أكثر قابلية لهذا التشكيل باعتبارها تمتلك إمكانيات متعددة تجعل من الروائي قادرا على استيعاب أشكال فنية مختلفة تتيح له هوامش كبيرة للحرية في التعبير عن تجاربه في الحياة والمجتمع، وهذا مايجعله متوفرا على قدرة أكبر على التقاط تفاصيل الحياة الإنسانية وتسجيل العمق الثقافي والاجتماعي المترسب في الذاكرة والمتخيل الفردي والجماعي، مع تنويع أساليب التعبير سواء باللغات الرسمية أو اللغات واللهجات المحلية واستعمال عدة أساليب كالتاريخ والأساطير والشعر . الرواية إذن حسب تعبير محمد براة في آخر كتاب له هي ذاكرة مفتوحة على المستقبل، أي ذاكرة تتخطى الحدود والتصنيفات ، وتجعل الأشياء تبدو على غير ماهي عليه بمعنى أنها تتخذ تجليات مغايرة للواقع القائم المنتهي وهذا ما يجعلها تساهم في نسج ملامح أساسية من المتخيل الاجتماعي لثقافة ما.
أكيد أن الرواية العربية اليوم وضمنها الرواية المغربية تعرف ازدهارا كبيرا بالنظر إلى كثرة العناوين التي تنشر باستمرار ، وفي المقابل هناك غياب شبه تام للمواكبة النقدية والمتابعة خاصة على مستوى الترجمة، فكيف يمكن الحديث عن دخول الرواية العربية إلى العالمية وهي حبيسة لغتتا أو لغاتها المحلية؟
من هنا يمكن طرح مجموعة من التساؤلات الأولية التي يمكن اتخذها كأرضية تساهم في مناقشة المنجز الروائي العربي المعاصر.
*- كيف يمكن تناول قضايا إنسانية عالمية كبرى من خلال ماهو محلي وخصوصي؟
*- هل فعلا أصبحت الرواية اليوم هي ديوان العرب؟
*- ماقيمة هذا الزخم من الكتابة الروائية في ظل غياب نقدي في المستوى؟
*- أين هي الرواية العربية ذات المضمون الفلسفي العميق والرؤية التأملية لحياة الإنسان والأرض؟
زريعة البلاد هي سادس عمل إبداعي للباحث الأكاديمي الدكتور الحبيب الدايم ربي بعد روايته المنعطف الصادرة سنة 1987 وبعد المجموعات القصصية :حروب صغيرة / طاحونة الأوهام / زهرة الأقحوان، وأهل الوقت وتقع الرواية في 112 صفحة من الحجم المتوسط ، و تتوزع على 21 جزءا يكمل بعضها بعضا ضمن نسيج استثنائي في الرواية المغربية.
كتبها حبيبة زوڴي habiba zougui في 03:02 مساءً ::
أستاذة حبيبة الغالية اشتقنا لجديدك ، لماذا أنت غائبة أتمنى أن يكون السبب خيرا
مع الود
فقط كان لدي عطب بالكمبيوتر و بعد إصلاحه لدي الان عطب بالمدونة سوف أضع مواضيع أخرى إن شاء الله
تحيتي الشاسعة

الاسم: حبيبة زوڴي habiba zougui


